حسن الأمين
77
مستدركات أعيان الشيعة
وفلاسفتهم « ( 1 ) ، وقال عنه القفطي أنه : » كان متقدما في العلوم الطبيعية بارعا منها في صناعة الكيمياء ، وله فيها تأليف كثيرة ومصنفات مشهورة « ( 2 ) وحسبنا أن الرازي يشير إليه في كتبه الخاصة بعلم الكيمياء بقوله : « قال استأذنا أبو موسى جابر بن حيان » ( 3 ) . لكنه مع ذلك لا بد أن يكون قد لقي من الاضطهاد والحسد ما يلقاه كثيرون ممن ينبه ذكرهم في كل مكان وكل زمان ، وإلا فما الذي دفعه إلى : « التنقل في البلدان ، لا يستقر به بلد . خوفا من السلطان على نفسه ؟ » ( 4 ) وما الذي أطلق لسان القائل : هذا الذي بمقاله غر الأوائل والأواخر ما أنت إلا كاسر كذب الذي سماك جابر ( 5 ) بل أن الحقد قد تخطى أبعاد الزمن ، حتى أدرك مؤرخا للعلم في العصر الحديث ، أراد أن يضع جابر بن حيان في موضعه من تاريخ الكيمياء ، فاستكثر عليه أن يكون هو صاحب النظريات الكيموية ذات القيمة التي تنسب إليه في أوروبا ، فراح يشطر انتاجه شطرين : شطر فيه الدسم العلمي : نسبه إلى مؤلف قال عنه أنه مجهول وأنه انتحل لمؤلفاته اللاتينية في العصور الوسطى اسم « جابر » ليحتمي بسمعته وشهرته ، وشطر فيه تفاهة وغثاثة هو الذي يجوز نسبته إلى جابر العربي ، أما هذا المؤرخ للعلم الذي أشير إليه ، فهو « برتلو » ( 6 ) الذي زعم أنه حلل المؤلفات المنسوبة إلى جابر بن حيان في علم الكيمياء ، وبعض هذه المؤلفات عربي خالص ، وبعضها لاتيني وله أصل عربي ، وبعضها لاتيني ولا توجد له صورة عربية ، حلل « برتلو » هذه المؤلفات وزعم أن ثمة تفاوتا في مادتها وفي أسلوبها يتطلب التفسير . ويتخذ برتلو من كتاب « الخالص » ( 7 ) لجابر بن حيان في ترجمته اللاتينية نموذجا للجانب الناضج من المؤلفات التي تنسب إلى العالم العربي ، ويقول أن دراسة هذا الكتاب تدل على أنه ليس ينتسب إلى أصل عربي ، لا في منهجه المتميز باحكام السير في طريق الاستدلال حجة في أثر حجة أحكاما من شانه أن يجمع المادة العلمية في سياق موحد متسق ، ولا في الحقائق الواردة فيه ، ولا في مفرداته اللغوية ولا في الأشخاص الذين يرجع إليهم في الفقرات المقتبسة ، كل هذه جوانب من الكتاب يراها برتلو قاطعة بان الكتاب لا يرتد إلى أرومة عربية ، فعلى الرغم من أنه يشتمل - في رأي برتلو أيضا - على طائفة من الكلمات والعبارات التي ربما تكون مستعارة من جابر العربي ، إلا أن المرجح هو أن الكتاب في جملته من عمل مؤلف لاتيني مجهول في النصف الثاني من القرن الثالث عشر ، لم يرد أن ينسب الكتاب إلى نفسه ، ونسبه إلى أشهر الأسماء المعروفة عندئذ في علم الكيمياء ، ألا وهو اسم « جابر » ليستفيد الكتاب شهرة بشهرة مؤلفه المزعوم . ومضى برتلو يبحث في المخطوطات التي وجدها في باريس وفي ليدن ، والتي تشتمل على مادة الكيمياء تنسب إلى جابر بن حيان ، ثم انتهى إلى أنه على الرغم من أنه لا يجد ما يسوغ نسبتها إلى جابر ، إلا أنه لا يرتاب في أن مؤلفها عربي ، ألفها بين القرن التاسع والقرن الثاني عشر الميلادي - في فترة سابقة على اتصال اللاتين بالعرب - فقد وجد هذه الرسائل تختلف أسلوبا عن كتاب « الخالص » الذي أسلفنا ذكره والذي قلنا عنه ، أنه يحتوي على مادة علمية تتسم بالتفكير المحكم ، ولما ذا يقطع برتلو بان هذه الرسائل المخطوطة - غير كتاب « الخالص » - من تأليف رجل عربي مسلم ؟ الجواب عنده هو أن لغتها غامضة ومهوشة ، وفيها نزعة مشبهة ( أي تشبه الطبيعة بالإنسان ) فضلا عن اشتمالها على إشارات وابتهالات إسلامية ، ولا ينفك مؤلفها يقول في سياق حديثه : أنه سيرسل الكلام في عير تحفظ ولا ألغاز ، ومع ذلك فلا نراه أبدا يذكر التفصيلات عن الموضوعات التي يعد قارئه بأنه سيكشف عنها الأسرار والأستار ، أن مؤلف هذه الرسائل ليأخذ بالمذهب القائل بان لكل شيء كيفية ظاهرة وأخرى باطنة ، وأن الواحدة منها نقيض الأخرى - وهو المذهب الذي كان شائعا بين الكتاب اللاتين في القرون الوسطى - لكنه لم يذكر شيئا عن توليد المعادن بالكبريت والزئبق على النحو الذي يقال أن جابرا عرف به ، أضف إلى هذا كله أن مؤلف هذه الرسائل يختلف عن مؤلف كتاب « الخالص » في أن الأول لا يتردد في أن يجعل للنجوم تأثيرا في توليد المعادن ، على حين أن الثاني يرفض هذا المبدأ - واختصارا ، فان المستوي العلمي لهذه الرسائل - وهي الرسائل التي ينسبها برتلو إلى مؤلف عربي ما - والمستوي العلمي لكتاب « الخالص » - وهو الكتاب الذي ينكر برتلو نسبته إلى جابر العربي - مختلفان اختلافا بعيدا ، مما يدل - في رأي برتلو - على أن الكتب الكيموية المكتوبة باللاتينية والتي طبعت منذ القرن الخامس عشر ، لا تنتسب إلى جابر العربي ، على الرغم من أنها تحمل على الغلاف ما يفيد بان مؤلفها هو جابر . ولست في الحقيقة أجد ما أعلق به على رأي برتلو بان اسم جابر منحول على هذا الكتاب أو ذاك ، وأن المؤلف الحقيقي المجهول هو الذي انتحله ليشتد به أزرا ، أقول أني لا أجد ما أعلق به على هذا الرأي أفضل من عبارة ابن النديم التي أسلفت ذكرها ، والتي رد بها على القائلين بان جابرا لم يكن له وجود ، وأن اسمه منحول على الكتب التي تنسب إليه ، و [ هانذا ] آنذا أعيدها مرة أخرى : « أن رجلا فاضلا يجلس ويتعب ، فيصنف كتابا يتعب قريحته وفكره بإخراجه ، ويتعب يده وجسمه بنسخة ، ثم ينحله لغيره - أما موجودا أو معدوما - ضرب من الجهل ، وأن ذلك ( العمل ) لا يدخل تحته من تحلى ساعة واحدة بالعلم ، وأي فائدة في هذا وأي عائدة ؟ » .
--> ( 1 ) . Russell , R . Jabir Ibn Hayyan ( 2 ) أخبار العلماء بأخبار الحكماء ( طبعة الخانجي ) ص 111 . ( 3 ) ابن النديم ، الفهرست ، ص 500 . ( 4 ) المرجع السابق ، ص 499 . ( 5 ) حاجي خليفة ، كشف الظنون ، ص 343 . ( 6 ) 1893 Berthelot , La Chimie au moyen age , t . III LAlchimie Arabe , Paris ( 7 ) اسم الكتاب الذي يشير إليه برتلو هو Summa perfectionis ويقول هوفر Hoefer في كتابه تاريخ الكيمياء : إن كتاب « الخالص » هو الأصل الذي أخذ عنه الكتاب المعروف في العالم اللاتيني بالاسم المذكور ، مع أن برتلو يبني كلامه على أساس أن الكتاب ليس له أصل عربي معروف .